ربما يكون الوضع الحالى للعلاقات الأمريكية الاوربية هو الأكثر تعقيدا وتشابكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وفى نفس الوقت هو أصعب تحد يواجه حلف شمال الاطلنطي، فى تقديرى أن وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض كان موضع قلق الكثيرين من العالمين بتشكيلة الادارة الأمريكية الجديدة وتوجهاتها اليمينية شديدة التطرف، وانا أحد الكتاب المهتمين بظاهرة صعود اليمين فى العالم وتأثيراتها على منطقة الشرق الأوسط من كافة الزوايا الإيجابية منها او السلبية، بيد أن أصعب ما فى الأمر هو انشطار القيم الغربية وتناثر مكوناتها، أو ما يمكن أن أطلق عليه «الصراع الصفرى داخل الخلية الواحدة».
>>>>
فقيم الحرية التى قام عليها الاتحاد الأوربى واعتبرها الجميع ثوابت ومعتقدات لا يجوز الاقتراب منها جاءت الادارة الأمريكية الحالية لتنال منها بشكل دراماتيكى غير مسبوق، والمتابع المجرد لتصريحات نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس فى مؤتمر ميونخ للأمن ثم فى باريس ثم فى أثناء استقباله للقادة الاوربيين زيلينسكى وماكرون وستارمر واخيراً تصريحاته فى غرينلاند الدانماركية يقف على حقيقة الموقف الأمريكى الحالى وكذلك يساعد الباحثين فى استشراف مستقبل العلاقات الأمريكية الاوربية بشكل عام، وهنا يمكن الوقوف على الملاحظات التالية
>>>>
الملاحظة الاولي: تنظر الادارة الأمريكية إلى أوروبا على انها تمثل عبئا عسكريا واقتصاديا وسياسيا وفكريا على الثورة اليمينية الأمريكية، الملاحظة الثانية: ترى الولايات المتحدة ان أوربا غير قادرة بمفردها على مواجهة التهديدات الروسية لسرب أوروبا، الملاحظة الثالثة: تنظر الولايات المتحدة إلى حلف الناتو على انه غير قادر على حماية أمن القارة الاوربية من دون وجود القوات الأمريكية، الملاحظة الرابعة: يخطئ من يظن ان الاقتصاد فقط هو المحرك الوحيد للتوجهات الأمريكية الأخيرة التى أزعجت قادة حلف الناتو، الملاحظة الخامسة: ستكون المسألة الدانماركية ثم المسألة الكندية هى اختبارات صعبة امام حلف الناتو وعلى ضوء نتائج حل هاتين المسألتين يمكن التنبؤ بما يمكن ان تستقر عليه الأوضاع المستقبلية،
>>>>
الملاحظة السادسة: المسالة الاوكرانية خرجت من جلباب التحالف الغربى واستقرت فى مصيدة الفكر الامبريالى الأمريكى الجديد ويؤيد هذه النظرة مشروع اتفاقية المعادن المنظورة بين واشنطن وكييف، الملاحظة السابعة: روسيا قاب قوسين من إعلان النصر على أوكرانيا من دون معارك فاصلة وإنما تحقق هذا الانتصار بقرار أمريكي، الملاحظة الثامنة: كل ما يدور فى المعسكر الغربى الآن يصب فى مصلحة الصين التى تقف فى موقف المتفرج الذى يحصد مكاسب مجانية دون تكلفة تذكر، الملاحظة التاسعة: سيخرج الشرق الأوسط بكل تفاصيله من العباءة الأمريكية مفضلا اما الاستقلال الإقليمى المنشود من شعوب المنطقة وإما تحت المظلة الصينية التى تبدوا اكثر استقرارا واحتراما من المظلة الأمريكية المهينة،
>>>>
الملاحظة العاشرة: ستكون للصراع الداخلى الغربى نتائج مباشرة على اعادة تشكيل العالم وهل سيتم تصبح أوروبا من دون امريكا قوة تقف على نفس خط الصين وروسيا وأمريكا ؟، هذه الملاحظات العشر تقودنا إلى التفكير فيما هو قادم، هل ستقوم أمريكا فعلا بضم جرينلاند إلى الولايات المتحدة بصرف النظر عن الطريقة ؟ وهل ستوقف أمريكا حرب أوكرانيا لصالح روسيا ؟ وإذا فعلت امريكا ذلك -وهو الأرجح حتى الان – ماذا سيكون رد فعل الدول الاوربية ؟ وكيف سيتصرف حلف الناتو مع معضلة شديدة التعقيد ؟ هل يمكن للحلف اعادة بناء نفسه دون وجود امريكا؟ وهل تستطيع الدول الاوربية بناء جيش قوى يحمى أوروبا ليس من خطر الروس فقط بل من خطر الصديق الأمريكى نفسه ؟ بيد ان العالم مقدم على مرحلة خطيرة وتحتاج منا إلى الانتباه، اما تأثير ذلك على منطقتنا – الشرق الأوسط – فهذا موضوع مقال آخر