زكريا باشا عضو الشيوخ احتفظ بتسجيلاته وقدمها للإذاعة
أول صوت فى الإذاعة المصرية يتلو القرآن
والده مأمور الجمالية والخليفة رعاه صغيراً ومات قبل أن يراه قارئاً

الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. يرددها 4 مرات فى كل أذان، ويأتى بها بصوته الملائكي، كما أذن بها فى عهد رسولنا الكريم بلال بن رباح ومعه تغدو القلوب لتسافر بعيداً فى عمق الزمن كأنها تستلهم الأذان أول مرة بصوت «بلال» بنسمات هادئة وصوت ربانى شفاف هامس وخاشع يدخل القلب.. ولم لا، وهى كلمات الأذان صوت المسلم عندما ينهض للصلاة ويرددها وراء المؤذن.. هكذا كان شيخنا بصوته الشجى الذى ملأ الآفاق.. وتحت وقع أذانه كانت تهفو القلوب مرددة وراءه أنه يؤذن أول من نطق الأذان فى إذاعة مصر، صيته وصل قارات العالم بذكر القرآن قبل أن تغزو الفضائيات والأثير بيوتنا، وقبل أن يكون هناك جهاز ذكى «محمول» يرافقنا، كم أبكى صوته الملايين واهتزت الناس عندما سمعته.. كانت كلمة الله أكبر تخرج منه بموسيقى القرآن وحلاوة وطلاوة، فهو منحة من القادر الرحيم سبحانه، وهو خير من رتل القرآن الكريم وحمل لقب إمام القراء باختيار جموع المسلمين فى أصقاع الأرض، كم جلجل بصوته ليملأ بيوتنا أريج السماء وحلاوة القرآن.. شهرته سبقت عصره.
ومع خطواته الأولى إلى عالم التلاوة، أحدث زلزالاً وبريقاً لامعاً فى آن لأدائه والتفاف الناس معه، منحه الله صوتاً عبقرياً لا يتكرر وصعب تقليده، ومن الإجحاف أن نختصر سيرة حياته فى قراءة القرآن الكريم تلاوته وتجويده، فقط، ارتبط مولده بالتغيير متزامناً مع ثورة عرابى التى ولد قبل قيامها بنحو أربعة أشهر عام 1982، ومع مرحلة التحولات المهمة فى مصر قبل 143 عاماً وبعد الاحتلال لمصر الذى جاء بعد بدء حكم أسرة محمد على بنحو 77 عاماً وافتتاح قناة السويس الذى سبق مولده بـ 15 عاماً، ومن هنا وددت إلا أتناول شيخنا وإمام القراء محمد رفعت محمود رفعت من باب قارئ القرآن الكريم الفريد حتى الآن،
فقد بصره صغيراً، بعد نظرة حسد و»شهقة» أم الخير فى وجهه وهو ابن مأمور الجمالية والمغربلين والدرب الأحمر، ووسط ظروف عائلية حادة تربى الطفل الذى توفى والده وهو صغير وأصبح مسئولاً عن أسرة وعاش فى منطقة قريبة من الأزهر وقصر الشوق وبين القصرين والسكرية واتجه لحفظ القرآن ورعاية الأسرة.. صادق الأدباء والفنانين والقساوسة والرهبان وافتتح الإذاعة المصرية فى أول إرسال لها بصوته العذب ورفض أن يكون صوته المتفتح لإذاعات برلين ولندن وفرنسا أيام الحرب العالمية الثانية وهو القارئ الذى ألهب مشاعر قائد عسكرى كندى عشقه وأسلم على يديه، كان مشاركاً فى الحرب العالمية الثانية فى العلمين فهو القارئ الذى يعود إليه تكوين القوة الناعمة فى «دولة التلاوة».
مولده يوم وفاته 9 مايو 1882 ووفاته فى نفس اليوم 9 مايو 1950 «68 عاماً» قضاها فى رحاب القرآن ومعايشة التجربة الوطنية المصرية فى حى شعبى شهير بحارة الأغوات بالمغربلين ومن يؤذن فى الأزهر الشريف يسمعه فى منزله، ومصر النسيج الوطنى الواحد مسلمون ومسيحيون ويهود تعايشوا مع صوته وأجمعوا أنهم لا يملون سماعه، وليلى زكى مراد أعجبت بصوته وكذلك والدها زكى مراد عندما كان يحرص على سماع صوته فى درب الجماميز وفى مسجد فاضل باشا، الذى شهد بدايته ونهايته وكذلك عبدالوهاب والريحانى وكذلك السراي، فى زمن لم تكن به سيارات بل «حناطير» وسيلة مثلى للمواصلات.
الشيخ محمد رفعت المعجزة التى عاشت أحداث دنشواى وبزوغ نجم الزعيم مصطفى كامل ومن بعده محمد فريد وولادة الصحافة المصرية والشيخ على يوسف فى اللواء والمؤيد وعاصر ثورة 1919 بكل إرهاصاتها.. ومازال صوته يجلجل ويتلألأ فى مصر، رغم مرور نحو 143 عاماً على مولده و75 عاماً على وفاته، فقد عشق كتاب الله وعرفه، فقد كان الملك فاروق يصطحب الحاشية الملكية من السراى فى عابدين إلى مسجد فاضل باشا فى الشتاء وفى الصيف أيضا إلى مسجد المرسى أبوالعباس بالإسكندرية للاستماع إليه، وكانت تلاوته الحية على الهواء فى الإذاعة ينتظرها جموع المستمعين منذ افتتاحها فى 31 مايو 1934 بصوته وكان المصريون والمسلمون فى العالم الذى تصل إليه الإذاعة ينتظرونه عند تلاوته فى الفترة الصباحية فى التاسعة صباحا وفى العاشرة والنصف مساء ولمدة 45 دقيقة فى كل مرة.
هذا الرجل الذى شاهد ببصيرته مرحلة تاريخية مهمة فى تاريخ الوطن، فقد تفتحت عيناه والاحتلال يعيد تنصيب الخديو توفيق بن اسماعيل مكافأة على الاحتلال، وصادقته كل قيادات الحركة الوطنية والأحزاب، وتعرف صغيراً على إمام التنوير والوعى الإمام الشيخ محمد عبده بأفكاره التى جاءت لتبدد الظلام وتقود مصر إلى عالم النهضة من خلال الأزهر الشريف والمدارس، وعاش مرحلة كفاح المصريين ضد الانجليز بعد دنشواى 1906ومرحلة الدعوة لإنشاء الجامعة الأهلية وتأسيس أول بنك مصرى خالص على يد طلعت حرب «بنك مصر» فى مرحلة بناء الهوية والانتماء وصناعة الوعي، اختيار الشيخ رفعت عام 1934 لافتتاح الإذاعة، ومكتشف رفعت هو الأمير محمد على ولى العهد الذى استمع صدفة إلى صوت رفعت فى أحد المآتم وأعجب بأسلوبه، فكانت «القيثارة» التى سمعها المصريون عبر الأثير لأول مرة كأول قارئ قدمه المذيع أحمد سالم، وربما أن طه حسين عميد الأدب العربى الذى فقد بصره فى لحظة قاسية قبله مثل «المحسود» رفعت هو أول من عارض زيادة أجر رفعت فى الإذاعة لأنه ناقل وليس مؤلفاً وقارئ حفظ وتسبب فى عدم ذهاب رفعت للإذاعة، فسأل عنه الملك فاروق.
صوته الحزين الشفاف وبصره الذى فقد صغيراً واليتم الذى تعرض له كان عاملاً مهماً فى بناء شخصية الشيخ رفعت وعاد فى درب الجماميز رغم شهقة أم الخير أمام جماله، واستفتى الظواهرى عند افتتاحه للإذاعة وكذلك الشيخ المراغى والشيخ السمالوطي، وسألهم أليس حراماً القراءة فى الميكرفون بالإذاعة؟!، ظناً أن من يسمعه قد يكون فى حانة أو صالة قمار وأقنعوه.. وعندما تسمعه فى القراءة يخيل لك أنك تسمع وتصور كلاماً يخترق الوجدان بصوت لا تخطئه الأذن، له بصمة خاصة وبشكل دقيق فقد كان أفضل من حمل القرآن ورتله فى القرنين الأخيرين، فقد كان صديقاً لفكرى باشا أباظة وعبدالوهاب وأم كلثوم والحامولى وزكريا أحمد ومحمد عثمان ومنيرة المهدية، وفى الحرب العالمية الثانية كانت إذاعات باريس ولندن وبرلين تذيع له قبل كل حديث لقائد عسكري، كما تلا القرآن فى حفل افتتاح فرع بنك مصر، وكان قريبا من طلعت باشا حرب فى معركته لإنشاء بنك مصرى خالص.
النشأة والمولد
فى يوم الاثنين ولد الشيخ محمد رفعت بن محمود رفعت وهو اسم مركب بحى المغربلين بالدرب الأحمر 9 مايو 1982 وكان والده مأمور قسم الجمالية والخليفة والدرب الأحمر مسروراً به، فقد كان طفلاً جميلاً وش السعد على والده الذى ترقى إلى مأمور وبك فى ولادته، وكان والده يحمله فى الشارع وصادفته سيدة يقال لها «أم الخير» ونظرت للطفل على ذراع والده ونظرت إلى عينيه ونهض الطفل من نومه بعد «شهقة» السيدة يصرخ والألم فى عينيه وفشل الطبيب «روكسي» فى علاجه، فقد أجرى له عملية بسيطة خرج بعدها فاقداً للبصر.
ألحقه والده بـ «كُتاب» الشيخ بشتاك الملحق بمسجد فاضل باشا الذى يحمل اسمه بدرب الجماميز واهتم به والده فى حفظ القرآن الذى حفظه دون العاشرة، وفى الكُتاب شعر الشيخ حميدة بأن تلميذه رفعت شيء مختلف ورشحه لإحياء الليالى فى الأماكن المجاورة ودرس على يد الشيخ عبدالعظيم هنيدى القراءات والتجويد ونال جائزته، ومع وفاة والده وجد نفسه يتيماً ومسئولاً عن أسرة كاملة والدته وخالته وأخته وأخيه «محرم»، وهذا ما عوق دخوله الأزهر، ومع قراءة القرآن فى الحى ومساجد قريبة من مسجد فاضل باشا ذاع صيته وأصبح له مريدوه الباحثون عنه.
افتتاح الإذاعة
ومع افتتاح الإذاعة، قرأ «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً» بهذه الآية الكريمة استمع المصريون والعالم لأول صوت ينطلق من إذاعة القاهرة يقدمه المذيع أحمد سالم، وكان لقبوله قصة، ومع ذيوع اسمه تهافت عليه الجميع للاستماع إليه ودعوته فى مناسباتهم وهو قابع فى حارته التى ولد بها وهو واحد من أفضل من قرأ القرآن وكان مسجد فاضل الذى يتلو فيه القرآن مجرد زاوية فى درب الجماميز، لكن مع إلحاق رفعت به ارتفعت أسهمه وبات منافساً للأزهر والحسين والسيدة زينب، ومن يجد مكاناً به كان محظوظاً وكانت مقاهى فى المنطقة تقف عن تقديم الطلبات عندما يبدأ الشيخ القراءة كمقهى البرابرة وأبوالسباع ويفد عليها أبناء القوالة وعابدين ومقهى العمال والمنيل وغيرها، فيعرف عن رفعت أن له طبقة مفضلة ومع وصول صوته للإذاعة بحث عنه الملايين وظهرت فى مصر «مقاهى رفعت» فرضت نظماً معينة وقت تلاوته القرآن وقت تلاوته فى الراديو، وفى الوقت الذى كانت الخلافات الحزبية كبيرة، كان صوت رفعت هو قاسمها المشترك، فقد كان ساحر الأذن وصوت الشعب الذى يتلألأ ويجذب المستمعين إليه بروحانية إلهية وفطرة قرآنية.
زواجه
قالت حفيدته هناء رفعت إنه تزوج من قرية كفر الفرعونية بالمنوفية، القرية المجاورة لقرى الباجور بير شمس والكتامية وكفر الدوار وميت عفيفي، وكان عمره عند زواجه من الحاجة زينب سالم نحو «17 عاما» وهى الزوجة الثانية بعد زواج قصير سابق وعمره «15 عاما» من سيدة عمرها «12 عاما» ولم يستمر زواجه. وعندما خطب زينب سالم آسر لوالدته بعض من شروطه وهى أن تكون قوية البنية وذات عينين واسعتين وتتميز بالجمال، وبالفعل وافق على اختيار والدته وأنجبت زينب سالم أولاده محمد وأحمد وحسين وبهية.
حكايته مع المستشار الإنجليزي
يرفض الشيخ رفعت الظلم، وعندما اضطهده مستشار الحكومة الانجليزية فى الإذاعة، اضطر لترك العمل بها وخرج المستمعون الذين عرفوا يتظاهرون يهتفون باسمه بينهم مسيحيون ويهود للتنديد بالقرار، وأصدر الملك فاروق قراراً بعودته للإذاعة ويقرأ ٣ مرات يومياً بدلاً من مرتين، وإذاعة أذان شهر رمضان كاملاً بصوته.. ومن هنا تعلق المستمعون فى مصر والعالم الاسلامى به، خاصة أن صوته كان يزف للمسلمين دخول الشهر وتلاوته فيه.
زكريا مهران
من عشاقه ومريديه الذى حافظ على تراثه وأكبر محبيه زكريا باشا مهران، أحد أعيان مركز القوصية بأسيوط وإليه يعود الفضل لهذا الرجل الذى شغل عضوية مجلس الشيوخ وكان يجب سماع صوته واشترى خصيصاً أجهزة الجرامافون من ألمانيا لتسجيل حفلات رفعت، وعندما مرض رفعت حمل احدى هذه الاسطوانات للإذاعة وقدمها لها، كما تبرعت عائلة مهران بالاسطوانات التى تركها زكريا باشا مهران وقدمت زوجته زينب هانم مبارك هذه الاسطوانات للإذاعة وقالت زوجته إن زوجى الذى كان نشاطه السياسى والمحامى والاقتصادى وعضو الشيوخ، إلا أن اسمه لم يذكر إلا مقروناً بحبه للشيخ محمد رفعت، الذى سجل اسطواناته.
مواقف إنسانية
كان رفعت منحازاً للفقراء، وفى أحد الأيام طلب من ابنه أن يذهب به إلى شارع مارسينا فى السيدة زينب، وسأله لماذا؟، لكنه لم يعطه الجواب وطلب منه أن يذهب إلى العنوان حتى وصلا إلى مأتم وطلب من ابنه أن ينادى صاحب المأتم وعندما وصل سأله لماذا لم تنفذ وصية والدتك وتحضر الشيخ رفعت للقراءة فى مأتمها، فقال له إنه «مش قد الشيخ رفعت»، فقال له: أنا رفعت واذهب واستأذن الشيخ أن أقرأ تنفيذاً لوصية والدتك.
يقول القريبون منه إن صديقاً له قبيل موته قال له: من يرعى فتاتى بعد وفاتي، فتأثر الشيخ رفعت وفى اليوم الثانى قرأ سورة الضحى وبكى بكاء شديداً وخصص مبلغاً للفتاة حتى تزوجت، فقد كان زاهداً فى النزعة نقشبندى الطريقة، ويذكر أنه ذهب لإحياء مناسبة لجارته الفقيرة مفضلاً إياها على الذهاب لإحياء مناسبة الذكرى السنوية للملك فؤاد والد الملك فاروق.
أثرياء الهند
دعاه أحد أثرياء المسلمين فى الهند حيدر أباد وكان من أشد المعجبين به وتوسط عبر سفارتنا هناك بأن يقضى شهر رمضان هناك وبأى مبلغ يحدده، وتوسط مع السفارة والخارجية والفنان محمد عبدالوهاب وقال له: سأسافر معك، لكنه رفض لأنه يفضل قضاء الشهر فى مصر، وحاول رجل الدولة الهندية حيدر أباد مع الخارجية المصرية وقدم وقتها 45 ألف جنيه مقابل أن يزور الهند فى رمضان، لكن الشيخ رفعت رفض إغراء المهراجا وقال: «أنا مابدورش عن المال أبداً، الدنيا كلها عَرض زائل»، وعندما عرض عليه الفنان محمد عبدالوهاب أن يسجل القرآن كاملاً على اسطوانات مقابل أجر، اعتذر وقال: يقال عنى إننى اشتريت بآيات الله ثمناً قليلاً.
صالون رفعت «المنتدي»
كان منزل رفعت أشبه بمنتدى ثقافي، حيث تربطه صداقات قوية مع الفنانين وكان حريصا على لقائهم فى منزله بالسيدة زينب، وكان صالونه يضم الأعلام فى القراءة والفن والموسيقي، وكان يغني- قصائد كثيرة منها «أراك عصى الدمع» وله علاقات قوية مع الموسيقى العالمية ويستمع لاسطوانات موزارت وفاجنر وبيتهوفن، كما يستمع لصوته أم كلثوم ومنيرة المهدية «سلطانة الطرب» كان يتميز بعزة النفس، فقد عرض بيته للبيع بحى البغالة لينفق على مرضه وعندما توسط أبوالعينين شعيشع قرر وزير الأوقاف ابراهيم الدسوقى أباظة معاشاً شهرياً له آنذاك، وكان كثير من الساسة والمفكرين ومن مختلف مكونات المجتمع يفدون على منزله الذى كان من ٣ طوابق ومضيفة ويفد إليها أيضا القساوسة والرهبان واجتمع فيه فكرى أباظة باشا والشاعر أحمد رامى والكاتب الكبير التابعى ووالد السيدة أم كلثوم الشيخ ابراهيم وليلى مراد ووالدها زكى مراد ونجيب الريحانى.
.
الريحانى ونزهة الحنطور
ارتبط بأمين الريحانى فى علاقة قوية وكذلك بديع خيرى وكانت من قوة العلاقة أن الريحانى كان يبكى عندما يسمعه، وكان لا يفتح الستارة فى المسرح إلا بعد أن يفرغ رفعت من قراءته.
كتب الريحانى المعجب برفعت مقالاً عن الشيخ محمد رفعت بعنوان «نزهة الحنطور مع الشيخ رفعت»، أشار فيها إلى أن للقرآن فضلاً كبيراً عليه وما تعلمه منه بعد قراءاته عن الترجمة الفرنسية وسماعه بصوت رفعت، وقال فى المقال: ما كاد صوت رفعت ينساب فى صدرى حتى هز كيانى وجعلنى أقدس هذه الحنجرة الغالية الخالدة وهى ترتل أجمل المعانى وأرفعها وأحلاها.. إنه العالم الكبير وصوته هو الخلود ونعيمه، ومن حب الريحانى للشيخ، ظلا على علاقة طيبة وظل مرافقاً له فى أيام مرضه الأخيرة وتوفى قبله بعام.
لويس جريس: المسيحيون يجرون وراءه
يقول الكاتب الراحل الصحفى لويس جريس زوج الفنان الراحلة سناء جميل: عندما جئت إلى القاهرة وجدت عدداً كبيراً من الأقباط المصريين يسيرون وراء الشيخ رفعت فى السرادقات التى يقرأ فيها، وقال جريس إنه أدى دوراً وطنياً لا يقل أهمية عن دور الساسة، وقرب المسلم من القبطى والعكس، وعندما كان يقرأ يجعلك إنساناً رقيقاً تحب من أمامك.
وفى صفحات حياته محطات مهمة، منها ما قد لا يصدقه أحد.. وهى أنه انطلق من محطة الإذاعة الأهلية وعرف الشعب صوته وهو يغنى قصائد «أراك عصى الدمع وحقك أنت أعني» فقد كان معلم العزف على أستاذه محمد البغدادي.
الأميرة نازلى ورفعت
له موقف مميز مع الأميرة نازلى هانم حليم، فقد ذهب الشيخ محمد رفعت مع عدد من زملائه المقربين فى مسجد فاضل باشا للإنشاد، وما إن استمعت له الأميرة نازلي، حتى أرسلت فى طلبه منفرداً إلى الحرملك عند الظهيرة، وبدأ فى الإنشاد صادحاً بكلامه الجميل وصوته العذب وظل فى وصلة الإنشاد وكلما هم بالانتهاء تشير له، فيواصل واستمر حتى غروب الشمس، وطربت بإنشاده وسجل له 12 اسطوانة بصوته وأوصت العقيلات بالاحتفاظ بالاسطوانات. وكان يتقاضى 3 جنيهات فى الساعة.
الوفاة
وعندما أصابته «الزغطة» والتى بسببها توفى فى يوم الاثنين 9 مايو 1950.. ورفض التبرعات التى جمعتها حملة الكاتب الصحفى أحمد الصاوى محمد لعلاجه وعندما توفى توافد على المأتم آلاف من المحبين لصوته.. رحل قيثارة السماء ولم يرحل عن عالمنا لكن بقى صوته والآذان فى كل صلاة فهو من جيل العملاقة العصامى إمام القراء الصوت الذى يقرأ بنورانية مؤثرة والذى يفسر بصوته القرآن الكريم.. ولا يزال صوت رفعت قيثارة وإيقونة لقراءة القرآن الكريم يفتخر كل مسلم بأدائه الذى أصبحت مدرسته يشار إليها بالبنان فهو قارئ القرآن وإمام التلاوة الذى لم يستطع أى من عباقرة التلاوة أن يقلد رفعت وظل صوته متفردًا وخالدًا بعد وفاته بـ 75 عامًا و 143 عامًا على مولده.