اتفق عدد من المحللين الاقتصاديين والسياسيين على أن الحرب التجارية التى تشنها الادارة الأمريكية الجديدة مع عدد من الدول على رأسها كندا والصين، ستدفع الاقتصاد العالمى للتباطؤ والركود، وسينعكس ذلك على كافة دول العالم وسيؤدى الى انخفاض معدلات النمو، وتراجع الانتاج، وزيادة معدلات البطالة . المحللون قالوا إن اقوى اقتصاد فى العالم مهدد بالتراجع، فالحقيقة التى تثبتها الأرقام والتقارير أن المالية العامة للولايات المتحدة تعانى عجزا فاق التوقعات التشاؤمية، فهى الأعلى منذ عام 1975، ومن المتوقع أن ينمو الدين العام بمعدل مضاعف عن معدل النمو الاقتصادى خلال السنوات القادمة، فوفقا لبيانات مكتب الميزانية بالكونجرس، من المرجح أن يبلغ العجز الفيدرالى الأمريكى خلال السنة المالية 2025، ما يقارب 2 تريليون دولار، وهو ما يعادل 6.2٪ من الناتج المحلى الإجمالي، متوقعا ان يستمر العجز خلال السنوات القادمة حتى عام 2035، ليصل إلى 2.7 تريليون دولار.
وتأتى بيانات الاقتصاد الامريكى لتكشف عن تراجع معدلات التوظيف، مما يعنى تراجع الانتاج وارتفاع البطالة، وزيادة التضخم بما يؤثر على المواطن الأمريكي، وربما يفجر هذا الوضع احتجاجات المواطنين ضد ترامب وإدارته.
ويوضح تقرير صادر عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكى أن بحلول عام 2027، سيصل الدين إلى أعلى مستوى له على الإطلاق ليصل إلى نسبة 106 ٪ من الناتج المحلى الإجمالي، محذرا إذا لم يتم التعامل مع هذا الأمر، ربما ينمو بمعدل أسرع يقدر بضعف معدل نمو الاقتصاد ليصل إلى 200 ٪ من الناتج المحلى الإجمالى بحلول عام 2047.
ويذكر تقرير «مؤسسة الضرائب»، وهى مؤسسة دولية معنية بأبحاث السياسات الضريبية، أن الدراسات الأكاديمية والحكومية أشارت إلى أن الرسوم الجمركية التى فرضتها إدارة ترامب أثناء ولايته الأولي، وولاية الرئيس السابق «بايدن «أدت إلى ارتفاع الأسعار وخفض الإنتاج والعمالة، مما أدى إلى تأثير سلبى على الاقتصاد الأمريكي، وتابع نفس التقرير أنه بناءً على البيانات الحسابية من المقدر أن الرسوم الجمركية التى فرضها مؤخرا الرئيس الأمريكى «ترامب» على الصين وحدها من شأنها أن تخفض الناتج المحلى الإجمالى للولايات المتحدة على المدى البعيد بنسبة 0.1 ٪، كذلك الرسوم المقترحة على كندا والمكسيك بنسبة 0.3 ٪، والتوسع المقترح فى الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم قد يدفع ايضا الناتج المحلى الإجمالى للتراجع، كذلك تأتى الرسوم الجمركية المقترحة على المركبات وأجزاء المركبات لتسهم فى خفض الناتج بنسبة 0.1 ٪، وذلك قبل احتساب التعريفات الانتقامية التى يلوح بها.
الصين .. شريك هام ومنافس قوى
وتحت عنوان «شريك تجارى هام، ولكنه منافس قوى يشكل تهديدا اقتصاديا وعسكريا» يصف مكتب محاسبة الحكومة (GAO) الأمريكى فى تقرير له، العلاقات الصينية الأمريكية، موصيا بضرورة اتخاذ اجراءات لحماية الاقتصاد الأمريكى وتعزيز الصناعات والشركات المحلية، ضد الصين وغيرها من الدول، من خلال فرض تعريفات جمركية تحد من تنافسية السلع والمنتجات الواردة للسوق الأمريكية، مقابل افساح الطريق أمام الشركات الوطنية، مع التشديد على ضرورة استبعاد الباحثين الصينيين العاملين لدى الجهات البحثية والعلمية من الولايات المتحدة، واقصائهم من المشاركة فى مشاريع تطوير الأسلحة بمختلف أنواعها ومجالاتها.
ويؤكد وزير الخزانة الأمريكية الأسبق، لورانس سامرز، أن الاجراءات التى يتخدها دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة تمثل مخاطر تهدد الاقتصاد الامريكي، وتؤدى إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي، قائلاً: «ستكون هناك أسعار أعلى للمستهلكين الأمريكيين، وهناك تكاليف مدخلات أعلى للمنتجين، مما يجعل الإنتاج فى كل مكان آخر أكثر جاذبية، منبها أن الدول سوف تستجيب لتعريفات ترامب بتفضيل المنتجات الأوروبية والاسيوية على المنتجات الأمريكية، وهذا ليس فى صالح أمريكا، متابعا أنها استراتيجية اقتصادية غريبة وخطيرة للغاية، تشعل حربا تجارية ليست فى صالح أمريكا.»
والعديد من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات الأمريكية صرحوا فى بيانات رسمية واجتماعات مع العاملين، بان الرسوم الجمركية الإضافية ستؤدى إلى ارتفاع تكاليف بعض الأجزاء التى يتم شراؤها من كندا، محذرين من ان تتحول إلى امتداد لأزمة الإمداد، فقد أكد رئيس شركة «بيونج» لصناعة الطائرات فى حديث له أن اجراءات ترامب مكلفة للغاية وتعيق الانتاج.
تهديدات متبادلة
وكانت ولاية «ترامب» الأولى قد شهدت فرض رسوم جمركية على آلاف المنتجات الواردة للولايات المتحدة، بقيمة تقارب 380 مليار دولار خلال عامى 2018 و2019، وكانت تلك الاجراءات بداية الحرب التجارية الاولي، ففى عام 2018 فرضت الإدارة الأمريكية رسوما على الواردات من الصلب الأوروبى بواقع 25 ٪، والألومنيوم 10 ٪، تحت مسمى «الأمن القومي»، وردت أوروبا بالمثل بفرض ضرائب على المشروبات الكحولية وعدد كبير من المنتجات الأمريكية، ومع قدوم جو بايدن كرئيس للولايات المتحدة، تم تعليق الرسوم الجمركية.
وفى بداية العام الحالى استهل «ترامب» ولايته الثانية بفرض تعريفات جمركية إضافية، تؤطر لحرب تجارية كبري، متعددة الجبهات، فكان لقرار فرض رسوم بنسبة 25 ٪ على البضائع من كندا والمكسيك، أكبر شريكين للولايات المتحدة، أثر مباشر فى تصعيد الخلافات التجارية، ولم تقف كندا صامتة أمام التدابير الأمريكية، لتعلن أن فى حال فرضت أمريكا رسوماً جمركية بنسبة 10 ٪ على المنتجات النفطية و25 ٪ على جميع الواردات الأخري، ستلجأ لاتخاذ اجراء انتقامى ضد بعض المنتجات الأمريكية، كذلك كان للصين رد مماثل لتعلن عن إجراءات انتقامية على صادرات أمريكية بقيمة 21.2 مليار دولار بمعدلات 15 ٪، ومع دخول التعريفات الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم حيز التنفيذ، أعلن الاتحاد الأوروبى عن فرض رسوم على سلع أمريكية بقيمة 26 مليار يورو، بداية من أبريل.
لا فائز فى الحرب
يؤكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أن الحرب التجارية التى تقودها الإدارة الأمريكية تؤدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى وارتفاع التضخم، الأمرالذى يدفع البنوك المركزية فى مختلف الدول إلى اتباع سياسة نقدية تقييدية تعيق النمو والانتاج، ويشير التقرير إلى أن النمو العالمى سيتباطأ من 3.2 ٪ فى 2024 إلى 3.1 ٪ فى 2025 ثم 3 ٪ فى 2026، وذلك وسط حالة اللايقين المسيطرة على الأسواق والمستثمرين.
وبحسب التقرير من المتوقع أن يتباطأ نمو الولايات المتحدة إلى مستوى 1.6 ٪ فى 2026، كذلك تسجل كندا تراجعا فى النمو ليسجل 0.7 ٪ فقط خلال 2025 و2026، وستعانى المكسيك من الركود لينكمش اقتصادها بنسبة 0.6 ٪ فى 2026، كذلك من المتوقع ان تشهد دول الاتحاد الأوروبى واليابان والصين تراجعا فى نسب النمو. ويحذر محافظ البنك المركزى الكندى من أن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة قد تؤدى إلى انخفاض الناتج المحلى الإجمالى الكندى بنسبة 3 ٪ خلال عامين.
التأهب لنظام عالمى جديد
الاجراءات التجارية التى يتخذها «ترامب» لحماية الاقتصاد الأمريكى من خلال تقييد الواردات، تؤكد أن «التجارة الحرة» تشهد تحديات وصعوبات شديدة التعقيد، فى ظل حرب تجارية كبرى بين أقوى الاقتصادات، فقد تضر التعريفات الجمركية العلاقات التجارية بين أمريكا وحلفائها التقليديين (أوربا وكندا والمكسيك)، وتزيد من الصراع مع الصين، وفى المقابل تسعى الولايات المتحدة لتحسين العلاقات مع روسيا، وتقوية الشراكات التجارية مع دول الخليج العربي، وتبنى قضايا الشرق الأوسط من منظور يتفق مع مصالحها، الأمر الذى يؤكد أن العالم على أبواب مرحلة جديدة، تتنافس فيها القوى العالمية بشكل مختلف وبتحالفات جديدة.
فرص جادة للاقتصاد المصرى
ووسط تلك التحديات العالمية يأتى السؤال : كيف لمصر أن تنجو من ويلات الحرب التجارية، وما الفرص المطروحة، أمام الاقتصاد المصري، فى ظل تنافس أطراف الصراع على تعزيز الشراكات والعلاقات الاقتصادية مع مصر باعتبارها من الاقتصادات الواعدة وبديلا جيدا أمام الشركات العالمية فى ضخ الأموال والاستثمارات؟
بطبيعة الحال تفرض الحروب التجارية العالمية تأثيرات واضحة على مختلف الدول، فى ظل الاعتماد المتبادل فى توريد مكونات الانتاج وغيرها من الموارد، وتختلف درجة التأثير بدرجة الانفتاح على العالم، ورغم التحديات المتوقعة للاقتصاد المصري، إلا أن هناك فرصا عديدة يمكن استغلالها، فمع تزايد التوترات بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تبدأ الشركات العالمية بالبحث عن بدائل لتصنيع منتجاتها خارج الدول المفروض عليها رسوم جمركية تجنبا لتلك الرسوم، والتى قد تؤثر على تنافسية المنتجات فى الأسواق، وبالتالى تصبح مصر من الدول الجاذبة للاستثمارات العالمية خاصة أن لديها بنية تحتية متكاملة ومتطورة، توفر الخدمات اللوجستية التى تمكن كافة الدول من الوصول إلى مختلف الأسواق.
ويتفق خبراء الاقتصاد على أن مواجهة الأزمات العالمية يتطلب زيادة مرونة الاقتصاد وتحريك مجالاته للاتساع والعمق، خاصة أن الاقتصاد المصرى يتميز بالتنوع الكبير، وقد ساهمت الاصلاحات الهيكلية التى اتبعتها الحكومة فى زيادة القدرة التنافسية، وتحويل هيكل الاقتصاد المصرى نحو القطاعات الانتاجية القابلة للتداول من أجل زيادة معدلات التصدير.
وتؤكد كافة المؤشرات والتقديرات تحسن وتطور نمو الاقتصاد، حيث قدر صندوق النقد الدولى أن تصل نسبة النمو إلى 4.1 % فى 2025/2026، كذلك خرجت العديد من التقارير الدولية تؤكد أن الاقتصاد المصرى يتمتع بقدر عال من المرونة وأن عدداً من القطاعات الاقتصادية أصبحت ذاتية النمو، (اى انها بدأت تجنى ثمار ما تم ضخه من استثمارات عامة دفعت بها الدولة)، مثل قطاع البنية الإنشائية والمدن الجديدة والتى أصبحت الان مركز استقطاب للمستثمرين من خلال طرح فرص استثمارية للقطاع الخاص. كذلك قادت قطاعات التصنيع وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والسياحة معدلات النمو خلال الربع الأول من العام المالى الحالى لنحو 3.5 % مقارنة بـ 2.4 % فى «الربع السابق»، الأمر الذى يؤكد تطور انتاجية هذه القطاعات الهامة والحيوية، كذلك تعد قطاعات الزراعة والصناعة والبنية التحتية والطاقة الجديدة والمتجددة، على رأس أولويات العمل لتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر وزيادة فرص العمل، كما يتم العمل على احداث تكامل زراعى صناعى لتصدير المنتجات ودعم تنافسية المنتج المصرى عالميًا.
نشاط استثنائى للاتحاد الأوروبى مع مصر
فى الوقت الذى يشهد فيه الاقتصاد العالمى تحديات كبرى وتتزايد فيه حالات الانقسام والاستقطاب، تتسابق المؤسسات والمنظمات الدولية المختلفة على التعاون مع الاقتصاد المصري، على اعتبار ان مصر من الاقتصادات الواعدة، كذلك تعد محورا مثاليا لتكوين التحالفات الاستراتيجية القوية فى المنطقة، من هذا المنطلق شهدت الفترة الأخيرة منذ ديسمبر الماضى نشاطاً مكثفاً لمبعوثين وتنفيذين من الاتحاد الأوروبي، وتم توقيع العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادى لتعزيز ودعم الاقتصاد المصرى وضخ التمويلات اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة، واطلاق مشروعات كبرى بالتعاون من القطاع الخاص.
ومن الأهمية أن تركز الدولة على استثمار العلاقات الإستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، لما لها من مصالح مشتركة عديدة، خاصة أن حجم التبادل التجارى بلغ ما يقارب الـ33 مليار يورو فى 2023، ومن المتوقع أن يشهد زيادات متتالية خلال الأعوام القادمة. وتعد مصر ثالث أكبر دولة عمليات للبنك الأوروبى لإعادة الإعمار والتنمية على مستوى العالم، خلال 2024، بلغت استثمارات البنك خلال 2024، حوالى 1.5 مليار يورو، 98 ٪ منها استثمارات للقطاع الخاص، بعدد 26 مشرعات تنموية، ومن المتوقع أن تزداد المحفظة التمويلية لضخ المزيد من الأموال.
كذلك العديد من الدول الأوروبية سعت مؤخرا لترفيع العلاقات الاستراتيجية مع مصر، وتعزيز التعاون المشترك، مثال ذلك ما سعت له بولندا، لتوطيد العلاقات، وانعقدت للمرة الاولى منذ 30 عاما الدورة الأولى للجنة المصرية البولندية، لتعزيز التعاون فى 16 مجال على رأسها الاستثمار والأمن الغذائي، والتبادل التجاري، كذلك وقعت ألمانيا العديد من الاتفاقيات، ومنها انطلاق مشروع المركز المصرى الألمانى للوظائف والهجرة وإعادة الإدماج، وتجرى حاليا فرنسا مباحثات ثنائية على المستوى الوزارى لتعزيز التعاون المشترك وبحث الفرص الاستثمارية، فى مجالات الطاقة المتجددة، والصناعات التكنولوجية، والبنية التحتية.
ومع استحداث منصب مفوض شئون المتوسط للاتحاد الأوروبي، سارعت «دوبرافكا سويتشا»، المفوضة الجديدة للاتحاد الأوروبي، بزيارة مصر واللقاء بعدد من المسئولين والوزراء لمناقشة مستقبل العلاقات الاقتصادية، وقد كشفت وزيرة التخطيط أن الشراكة الاستراتيجية والشاملة مع الاتحاد الأوربى تتضمن تخصيص 7.4 مليار يورو خلال الفترة 2025-2027، لدعم الاستقرار الاقتصادى وتحفيز الاستثمار، بجانب برنامج آلية «مساندة الاقتصاد الكلى ودعم الموازنة»، والذى أتاح الاتحاد الأوروبى بموجبه تمويلاً بقيمة مليار يورو، وفى انتظار مباحثات المرحلة الثانية من الآلية بقيمة 4 مليارات يورو.