لم تعد الدبلوماسية التقليدية بقواعدها الرصينة وأدبياتها الراسخة ولغتها الدولية التى تعتمد على الاحترام والتقدير والاتيكيت المتعارف على قواعده بين الدبلوماسيين بصرف النظر عن جنسياتهم او ثقافاتهم، كل هذا لم يعد موجودا فى الواقع العملي، تبدل الوضع تماما وتغيرت تلك الادبيات واختفت قواعد الاتيكيت وحل محل ذلك كله مفردات جديدة ولغة مغايرة تصل لدرجة الانحطاط الدبلوماسى العالمى غير المسبوق، اختفت الكلمات الناعمة المغلفة بالذوق الدبلوماسى الرفيع ومعها تحولت الابتسامة إلى نوع من السخرية، بيد أن الكثيرين من حملة الملفات الدبلوماسية فى وزارات الخارجية فى معظم دول العالم يعيشون حالة انفصام وظيفى! بين ما هو راسخ فى وجدانهم من ادبيات دبلوماسية تربوا عليها ومارسوها وبين الواقع الأليم الذى لا يعرف الكلاسيكيات الدبلوماسية، ربما كانت الولايات المتحدة كأكبر وأقوى دولة فى العالم هى السبب المباشر فيما جري، لقد تابعنا جميعا كيف تحولت الدبلوماسية الامريكية 360 درجة مع صعود اليمين الترامبى إلى الحكم، وكان الملمح المهم فى هذا الشأن هو تعيين غير المختصين والمتخصصين فى وظائف دبلوماسية وفنية رفيعة ، واتبع هؤلاء جميعا نظريات مالية فى ادارة الملفات الدبلوماسية ! فالمطور العقارى ويتكوف ليس هو الشخص الأهم القادم من عالم « المعمار» لقد سبقه الرئيس ترامب نفسه والذى يتعامل مع جميع الملفات السياسية والأمنية والاستراتيجية من مفهوم مالى واقتصادى بحت، لكن الملمح الأكثر خطورة هنا هو استهداف كل الزعماء والمسئولين ووضعهم فى أطر غير مقبولة، بهدف كسر هيبتهم امام شعوبهم، رأينا محاولات كسر هيبة كل من زاروا البيت الأبيض من زعماء دول العالم ، وكان الرئيس الاوكرانى زيلينسكى هو ضحية هذا التوجه الجديد للدبلوماسية الساخرة، وكان موضع دهشتى هو ما تعرض له رئيس وزراء بريطانيا من اهانات ومحاولات لكسر هيبته امام الجماهير، إذن نحن امام نوع جديد او طبعة جديدة من الدبلوماسية تعتمد على الصدمات والصفقات، هذا النوع لا ينمو فى لحظات الاستقرار وإنما يحدث وقت التحولات الكبرى والأزمات المربكة، اقف هنا عند نتائج تلك الدبلوماسية السوداء والتى تعتمد على السخرية وكسر الهيبة لتحقيق المستهدفات، فى سبيل ذلك نرى سجالات ومناقشات تبدأ وتنتهى بكل شىء إلا الدبلوماسية التقليدية، هذه الدبلوماسية لن تمنع الصراعات ولن تحل الأزمات وإنما ستكون السبب الرئيسى لاشتعال الحروب الكبري، انها الدبلوماسية التى تقود العالم إلى مزيد من الحروب والصراعات، فى كل الأحوال أرى أن العالم يمر بمرحلة تشبه تاريخيا مراحل ما قبل الحروب العالمية، فهناك فى الأفق ملامح لعودة الإمبريالية بأشكال غير تقليدية، فالجيوش لم تعد هى الوسيلة الوحيدة للهجوم على دولة ما واحتلال أراضيها، باتت الدبلوماسية السوداء هى التى تقوم بذلك نيابة عن الجيوش، والإعلام والصحافة عموما يقومان مقام الدبابات والطائرات والصواريخ، فما كنت تستهدف تحقيقه من خلال تجييش وتحريك الجيوش تستطيع ان تحققه من خلال التوظيف الجيد للإعلام والقوة الناعمة، نحن نعيش عصر يحكمه مزيج الدبلوماسية السوداء والإعلام الأسود المعبأ فى أوعية اقتصادية والنتائج ستكون أسوأ من مزيج القوة الخشنة والسياسة الملونة والمعبأة ايضاً فى اوان اقتصادية، لكن يبقى القاسم المشترك هو كسر الهيبة.