فى كلمته التى ألقاها فى مؤتمر الحوار الإسلامى الإسلامى الذى عقد مؤخرًا بمملكة البحرين، تحدث فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف ضمن مجموعة من المتحدثين، فرصد الداء ووصف الدواء. قال الإمام الأكبر إن موضوع «التقريب» بين السنة والشيعة شغلَ أذهان علماء الأُمَّة رَدْحًا من الدَّهْرِ، وحرصوا على دوام التذكير به فى مجتمعات المسلمين، وترسيخِه فى عقولِهم واستحضاره، بل استصحابِه فى وجدانِهم ومشاعرِهم كُلَّما همَّتْ دَواعى الفُرقةِ والشِّقاق أنْ تُطِلَّ برأسِها القبيحِ، وتعبث بوَحْدَتِهم فتُفْسِدَ عليهم أمرَ استقرارِهم وأمنِهم.. ورغم كلِّ ذلك لا يَزالُ موضوعُ «التَّقريب» مفتوحًا كأنَّه لم يَمْسَسْهُ قلمٌ من قَبل، وسبب ذلك -فى غالب الظَّن- أنَّ الأبحاثَ التى تَصَدَّتْ لموضوعِ «التَّقريب» إنَّما تصدَّت له فى إطارٍ جَدَليٍّ بَحْتٍ، لم تَبْرحْه إلى كيفيَّةِ النزول إلى الأرضِ وتطبيقِه على واقعِ المُجتمعاتِ المسلمة.
ما قاله الإمام حقيقة لا تقبل الجدال، فكم من التناحرات وجدناها بين أصحاب القبلة الواحدة، وكم جنينا من ثمار مؤلمة من هذا التناحر المنبوذ. وقد أعجبنى أحد المسلمين فى أوروبا عندما تحدث عن شخصية سيدنا محمد «صلى الله عليه وسلم»، وأفاض فى حديثه قائلاً: لم يكن رسول الله سنيًا ولم يكن شيعيًا، بل جاء بالحنيفية السمحة، وكانت رسالته رحمة للعالمين للأبيض والأسود، لم يفرق فى دعوته بين لون وآخر، ولا بين عربى وأعجمي. اللعب على وَتَر السنة والشيعة جلب لنا الخراب والدمار، وهلك الأخضر واليابس، وما زالت المعارك قائمة بين أصحاب القبلة الواحدة، ورحم الله أيامًا كان الناس يعيشون لا يعرفون هذه المجادلات المخزية. وقد حكى لى صديق أنه خلافًا نشأ بين مسلم وشيعي، وقد حضر الخلاف ثالث يدين بمعتقد آخر، فسألهم فيما تختلفون؟ هل هناك صراع سياسى بين على ومعاوية؟ فقالوا لا، وعرف منهما أنهما رحلا عن دنيانا منذ زمن بعيد، فضحك الرجل على خيبتهم. رحلا وتختلفان بعد موتهما؟ ما هذا التخلف؟! الآن عرفت لماذا تعودون إلى الخلف؟ الثوابت التى تجمع بين أصحاب القبلة الواحدة لا تعد ولا تحصي، والخلاف فى الفروع لا الأصول، فلم التناحر وإلى متى تؤجج الصراعات وتنتشر النار فى الهشيم.