في عالمنا المعاصر، تزدحم الحياة بالضغوط والتحديات، وأصبح من الصعب أحيانًا الحفاظ علي المبادئ والقيم التي تربينا عليها الأمانة، التي كانت من أبرز الصفات التي يتسم بها الإنسان، بدأت تواجه صعوبة في البقاء حية في ظل صراع المصالح، والانتهازية التي تزداد يوماً بعد يوم. بينما يشهد عصرنا الحالي نمواً سريعاً في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، إلا أن قيمة الأمانة باتت مهددة بسبب انتشار الممارسات الانتهازية التي تركز علي المصلحة الشخصية دون اعتبار للآخرين. والانتهازية هي سلوك يعتمد علي استغلال الفرص لتحقيق مصلحة شخصية، بغض النظر عن الأخلاقيات أو القيم التي تحكم سلوك الأفراد، يتسابق الكثيرون لتحقيق مكاسبهم الشخصية، ويتجاهلون في طريقهم المعايير الأخلاقية التي تحدد الصواب والخطأ. الانتهازية ليست محصورة في مجالات معينة، بل أصبحت سمة تسري في العديد من المجالات، سواء في العمل أو العلاقات الاجتماعية أو حتي في السياسة وتعتبر الظروف الاقتصادية، والتنافس الشديد، والحاجة الملحة للتفوق والنجاح من أهم العوامل التي تؤدي إلي انتشار الانتهازية. في كثير من الأحيان، يعتقد الأفراد أن تحقيق النجاح يتطلب منهم التنازل عن بعض القيم والمبادئ، خاصة عندما يرون أن الآخرين يحققون مكاسبهم دون الالتزام بالأمانة وتعتبر الأمانة من أسمي القيم التي يجب أن يتحلي بها الإنسان. فهي تتجسد في الوفاء بالوعود، وتقديم الحقائق دون تلاعب، والتعامل مع الآخرين بشفافية ونزاهة. في عالم يتسم بالانتهازية، تصبح الأمانة بمثابة حجر الزاوية الذي يبني عليه الفرد علاقاته ويحقق من خلالها النجاح المستدام والأمانة لا تقتصر فقط علي الصدق في الكلام، بل تشمل أيضاً الأفعال، حيث تتجلي في الحفاظ علي الثقة الممنوحة من الآخرين، وفي القدرة علي الوفاء بالمسئوليات الملقاة علي عاتقنا. قد تكون الأمانة أحيانا مكلفة، ولكن ثمنها في النهاية هو استقرار النفس وراحة الضمير. وفي عصر الانتهازية، يواجه الأفراد تحديات كبيرة في الحفاظ علي الأمانة. فالضغوط الاجتماعية والتنافس القوي في كل مجال قد تدفع البعض إلي اتخاذ قرارات تتعارض مع قيمهم الأخلاقية واحد من أبرز التحديات التي تواجه الأمانة هي انتصار المصلحة علي المبادئ. وقد تكون الظروف الاقتصادية الصعبة أو الحاجة إلي النجاح الفوري سبباً وراء فقدان الأمانة لصالح المكاسب الشخصية. وتعتبر الأمانة حجر الزاوية في بناء الثقة في أي علاقة، سواء كانت شخصية أو مهنية. ففي بيئة العمل، علي سبيل المثال، يصبح بناء الثقة بين الزملاء والإدارة أمراً بالغ الأهمية. عندما يلتزم الموظف بالأمانة، سواء في تعامله مع الآخرين أو في تقديم التقارير والمعلومات، فإنه يعزز مكانته المهنية ويكسب احترام الجميع. علي العكس، إذا فقد الشخص الأمانة وتبع سلوك الانتهازية، فإنه يفقد ثقة من حوله، حتي وإن حقق مكاسب مؤقتة، أما في العلاقات الشخصية، فإن الأمانة هي التي تحدد متانة العلاقة، والعلاقات التي تبني علي الانتهازية والمصلحة دائماًً عرضة للفشل، لأنها تفتقر إلي الأساس المتين الذي يربط الأفراد ببعضهم البعض والمجتمعات التي يلتزم أفرادها بالأمانة تتمتع بمستوي عالٍ من الثقة والتعاون والمجتمعات التي يغلب عليها سلوك الانتهازية تواجه تحديات كبيرة في بناء التفاهم والاحترام بين أفرادها والأفراد الذين يتبعون نهج الانتهازية قد يحققون مكاسب مؤقتة، ولكنهم في النهاية خاسرون. فالثقة التي يحصلون عليها تكون هشّة، والتقدير الذي يحظون به يصبح مزيفًا. أما أولئك الذين يلتزمون بالأمانة، فقد يواجهون صعوبات في البداية، لكنهم علي المدي الطويل سيحققون نجاحًا دائمًا قائمًا علي الاحترام المتبادل وهمزة الوصل بين الانتهازي والمستغل واضحة إذ ان كليهما فاقداً القيم والمبادئ فالانتهازي يستغل كافة الفرص المتاحة لتحقيق المنفعة دون ادني اعتبار أما المستغل فهو يجتهد دائماً للاستفادة من احتياج الانتهازي لتحقيق مصلحته الشخصية.. فقد يدعو المستغل الانتهازي إلي مناسبة أو لقاء ويرتب ان يستغله في أمور كثيرة لا يعلمها الأخير في نفذها كالأعمي حتي لو وصلت لحمل المستغل علي الاكتاف أو اتيان أفعال لا تتوافق مع القيم المجتمعية بل قد تصل إلي امتهان الكرامة الإنسانية. والحقيقة أن النجاح الذي يتحقق بفضل الأمانة هو النجاح الذي يدوم. والشخص الذي يبني علاقاته علي أسس سليمة من الصدق والاحترام يكون أكثر قدرة علي التغلب علي التحديات التي قد يواجهها في حياته.
وختاماً فإن الأمانة ليست فقط سمة شخصية، بل هي أيضًا ركيزة لبناء مجتمع يسوده التعاون والعدالة في ظل تحديات الحياة ووسط ضغط المصالح الشخصية والانتهازية والاستغلال الذي يزداد يوما بعد يوم.
وتظل الأمانة هي البوصلة التي توجه الإنسان نحو الطريق الصحيح. وفي عصر تتزايد فيه المصلحة الشخصية علي حساب المبادئ، يجب علينا أن نتمسك بقيمنا الأخلاقية وأن نؤمن بأن النجاح الحقيقي ليس في الوصول السريع أو المكاسب العابرة، بل في بناء سمعة طيبة ومستقبل مستقر.
حفظ الله مصر وحما شعبها العظيم وقائدها الحكيم