في 25 مارس 1964، انطلق في سماء الإعلام المصري صوتٌ لم يكن مجرد موجة إذاعية جديدة، بل ميلاد منارةٍ تبث النور والهداية، لتحفظ كتاب الله من التحريف، وتنشر علومه بين الناس.
جاءت إذاعة القرآن الكريم استجابةً لحاجةٍ مُلحّة، بعد انتشار طبعات مُحرّفة من المصحف الشريف، مما استدعى تحركًا سريعًا بقيادة الأزهر الشريف، وبمباركة الرئيس جمال عبد الناصر، لتأسيس أول إذاعة متخصصة في القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، تكون حصنًا منيعًا ضد التشويه وجسرًا يربط المسلمين بكتابهم العزيز.
لم تكن الإذاعة مجرد قناة لبث التلاوات، بل أصبحت مدرسة فكرية متنقلة، تبث الوعي الديني والثقافة الإسلامية بلغةٍ وسطية.
أسهم في إثراء محتواها شيوخ الأزهر، مثل الشيخ محمود شلتوت، الذي دعمها منذ انطلاقتها، والشيخ عبد الحليم محمود، الذي رسّخ دورها الفكري، والشيخ محمد سيد طنطاوي، الذي حرص على نهج الاعتدال، وصولًا إلى الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، الذي لا يزال يؤكد على دورها في نشر القيم الإسلامية والتصدي للتفسيرات المغلوطة.
وعلى مدى العقود، احتضنت الإذاعة أصواتًا ذهبية نقشت أثرها في القلوب، مثل الشيخ محمود خليل الحصري، أول من سجّل المصحف المرتل، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، صاحب الصوت الخاشع، والشيخ محمد صديق المنشاوي، الملقب بـ “القارئ الباكي”، والشيخ مصطفى إسماعيل، الذي أبدع في فنون التلاوة بأسلوبه الفريد.
كما قدّمت برامج تفسيرية كان لها تأثيرٌ بالغ، أبرزها دروس الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي أطلّ عبر أثيرها بشرحه العميق لآيات الذكر الحكيم.
لم يقتصر دور الإذاعة على الجانب الديني، بل امتد ليشمل الإعلام والثقافة، حيث قدّم الإعلامي أحمد فراج برامج دينية بأسلوب شيّق، وساهم الإعلامي فهمي عمر في تطوير الأداء الإذاعي وربط المحتوى الديني بقضايا المجتمع.
ولم تقتصر رسالتها على العالم العربي، بل شملت الدول الإسلامية، حيث بُثّت برامجها بعدة لغات مثل الإنجليزية والفرنسية، للوصول إلى غير الناطقين بالعربية، وخصوصًا في الدول الإسلامية والأقليات المسلمة في الغرب.
جاء هذا التوجه ضمن استراتيجية الأزهر لنشر تعاليم الإسلام وتصحيح المفاهيم المغلوطة عالميًا، ومع ذلك، لا يزال هذا الجانب بحاجة إلى مزيد من التطوير ليواكب التحديات الإعلامية الحديثة.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، لا تزال إذاعة القرآن الكريم حاضرةً بقوة، رغم التحولات الرقمية والتحديات الإعلامية الجديدة.
فقد طوّرت من أساليبها، وتوسّعت في بثها عبر الأقمار الصناعية والمنصات الرقمية، ليظل صوتها هاديًا للملايين، مرشدًا للعقول، وملاذًا للقلوب الباحثة عن السكينة.
فحين تضيء الإذاعة شمعتها الجديدة، فإننا لا نحتفي فقط بتاريخٍ حافلٍ بالإنجازات، بل نُجدّد العهد بأن تبقى هذه المنارة مضيئةً، تنشر الهداية، وتحفظ للأمة وعيها وهويتها، وتظل كما كانت دائمًا.. صوتًا لا يخفت، ونورًا لا ينطفئ، ورسالةً خالدةً تُشرق في الأفق، فتملأ الدنيا بالسلام والتنوير.