ضمن مساعى معالجة منظومة القيم المتدهورة فى عالمنا المعاصر تدهورا يهدد السلم الاجتماعى والأمن الدولي، وتحت عنوان: «الفتوى والبناء الأخلاقى فى عالم متسارع» ينطلق مؤتمر دار الإفتاء الدولى التاسع فى الفترة من 29 إلى 30 يوليو الجاري، برعاية كريمة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبحضور كبار المفتين والوزراء والعلماء من أكثر من 100 دولة.
إن الفتوى أداة دينية واجتماعية، تلعب دوراً مهماً فى تقديم إرشادات وحلول تتماشى مع المبادئ الإسلامية والقيم الإنسانية المشتركة، والعالم اليوم يشهد تسارعاً فى التطورات التكنولوجية والاقتصادية، والاجتماعية، مما يفرض تحديات جديدة على القيم الأخلاقية التقليدية. هذه التحديات تشمل القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، والبيئة، والتى تتطلب من الفتاوى أن تكون قادرة على تقديم حلول عملية وفعالة. من خلال مناقشة هذا الموضوع، يسعى المؤتمر إلى تسليط الضوء على كيفية تحديث وتطوير الفتاوى لتواكب هذه التغيرات وتساهم فى بناء مجتمع أكثر توازناً وعدالة.
المؤتمر يندرج ضمن سوسيولوجيا الإفتاء المعاصر وتحدياته، ولم تتوان دار الإفتاء وذراعها الدولية المتمثلة فى الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء العالمية، فى القيام بواجب الوقت تجاه العالم الإسلامي، وهو أمر يستلزم وقفة من صانعى القرار والقيادات الدينية وأصحاب الضمير الحي.
لقد كشف استطلاع أجراه الباروميتر العربي، وهو شبكة بحثية مقرها بجامعة برينستون وجامعة ميشيجان وشمل (مصر وتونس والجزائر والأردن والعراق وليبيا)، وعياً لدى قطاع من الجمهور العربى بأن من صنع الكارثة التى لا تزال تعانى من تداعياتها بعض الدول العربية هى جماعات الإسلام السياسى العربية ، وأن معظم المبحوثين أقروا بأن الإسلام بريء من الفهم المغلوط لدين رب العالمين، ومن خداع كل من تستر به لحيازة نفوذ غير مستحق والتربح غير المشروع، لكنه فى نفس الوقت و فى المقابل انخفاض معدل ارتياد المساجد بأكثر من عشر نقاط فى المتوسط وارتفاع نسبة من يصفون أنفسهم بأنهم غير متدينين خلال العقد الماضي، حيث لم تتوافر لديهم الأدوات المعرفية التى يفرقون بها بين الإسلام العظيم وجماعات الإسلام السياسى الجاهلة به تزعم انتسابها له وتبنيها لتوجيهاته.
نجحت دار الإفتاء عبر عشر سنوات فى التصدى هى والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم لكافة قضايا الإرهاب الفكري، بجانب قضايا المجتمعات المعاصرة بكتيبة ومنظومة تتمتع بولاء لوطنها ودينها وهويتها وثقافتها العربية والإسلامية، عبر ورش داخلية نشطة تعمل بلا كلل وتخرج دراسات، بعض نتائجها غير معلن بالمناسبة حتى اللحظة، ولكنها وبناء عليها تلجأ لحلول غير تقليدية فى دراسة التطرف الدينى ودوافعه وسبل مواجهته.
نحن أمام تحديات كثيرة فى مجال الدعوة والإفتاء والعلوم الاجتماعية التى تطورت بشكل كبير ومثير وتحتاج إلى ضوابط وأخلاقيات ومنها قضية الإفتاء الافتراضى عبر تقنية الذكاء الاصطناعي، وتحصيل المستفتى الجواب عن مسألة شرعية عبر التواصل مع برمجيات أو تطبيقات رقمية لها القدرة على التفكير الفائق وتحليل البيانات وإعطاء نتيجة محددة بصورة مباشرة أو عبر وسيط متخصص بالإخبار عن الحكم الشرعى إن مشروعية توظيف أجهزة الذكاء الاصطناعى تستند إلى النصوص الشرعية فى التعاطى المعرفى مع غير البشر والاعتداد بها فى بناء أحكام تكليفية.
نحتاج إلى داعية مدرب ومثقف ومبدع يعرف قواعد مجتمعه ومسلح بالعلوم الحديثة ومنها الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس والتقنيات المصاحبة لأنشطة الإرهاب الدولي.
وسوف تطلق الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء العديد من المبادرات العالمية، منها: إصدار الميثاق العالمى للقيادات الإفتائية والدينية فى صنع السلام ومكافحة خطاب الكراهية وحل النزاعات، ومبادرة الدليل الإرشادى لمكافحة الإسلاموفوبيا، والدليل الإرشادى للحوار الديني، والدليل الإرشادى للدبلوماسية الرقمية، والدليل الإرشادى لمكافحة الإلحاد، بالإضافة إلى الموسوعة العلمية للتدين الصحيح والتدين المغشوش.
مؤتمر الإفتاء القادم يرد على سؤال: لماذا تأخّر الدارسون المسلمون المحدَثون فى رؤية الأبعاد الأخلاقية للقرآن والسنة مع أنها ظاهرةٌ بوضوح ويقول للعالم هناك اخلاق لابد ان تسود علمنا المعاصر مع وجود النزاعات والحروب والمشكلات الإقليمية، وبهذا فالمؤتمر خطاب للعالم المتحضر بأن يعود عباد الله انسانا ولا يكونوا أعداء الله أشراراً.
لقد حان الوقت لإنشاء مراكز بحثية متخصصة تعمل على دراسة التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية وتأثيرها على الفتاوى وعلى الدين وعلى الثقافة هذه المراكز يمكن أن تكون بمثابة مراكز رصد وتحليل، تقدم توصيات مستندة إلى الأبحاث والدراسات العلمية لتوجيه المفتين فى إصدار فتاوى تتماشى مع الواقع المعاصر. وكذلك التعاون مع الجامعات ومؤسسات البحث العلمى يسهم فى تعزيز هذا النهج العلمى فى عملية الإفتاء.